الجمعة، ديسمبر 23

قانون أثر الفراشة (2)







تأثير الفراشة

تترابط كل الأشياء في الكون بشكل يسمح لنا بإرتياح أن نقول أنه توجد علاقة بين كتابتي لهذه السطور و بين دوران قمر يوروبا حول كوكب المشتري. و أن هنالك تأثيرا لتأخر أحد الصينيين في النوم لنصف ساعة على محصول الطماطم في أحد الدول في أمريكا الجنوبية. تلك التأثيرات غير محسوسة لنا و لا يمكن قياسها. ثم أن كثرة العوامل المحيطة بكل شيء و تفرعها بشكل غير نهائي يجعل التأثير تراكمي و تكاملي و تزامني بحيث يستحيل أن نعزو الأحداث لشيء واحد بعينه.

لاحظ علماء الفيزياء هذه الظاهرة عند التنبؤ مثلا بحالة الطقس. ألا تلاحظ أن التنبؤ بالطقس بشكل دقيق مستحيل؟ فحدث بسيط في أي مكان في نظام الغلاف الجوي قد يؤجل سقوط المطر أو في تغيير مسار الإعصار و قوته. شيء صغير كما قال أحد العلماء كفراشة قررت أن تطير من على زهرة. فرفرفة أجنحة الفراشة الصغيرة في جنوب أفريقيا قد تؤثر بشكل غير مباشر على حركة إعصار في الكاريبي. كان ذلك مثالا دقيقا لمدى ترابط الأشياء في الكون. هذا ما يعرف بتأثير الفراشة. يتضح هذا القانون جليا في الأنظمة المعقدة كالحالة الجوية و سوق الأسهم مثلا بحيث يستحيل توقع هبوط السهم أو إرتفاعه. و سوف أدعي أنني أفضل محلل لسوق الأسهم في التاريخ عندما أقول لك أنه يستحيل أن تتوقع إرتفاع أي سهم أو هبوطه غدا. فكن مستثمرا و لا تكن مضاربا.

نتوقع هذا الشيء في كون يسير على قوانين موحدة لا تتبدل و لا تتحول. لا تتبدل في كل نظام على حده فكل الأنظمة تعمل بنفس القوانين الفيزيائية و لا يوجد نظامين لهما قانونين مختلفين أو متضادين. بل أن كل الأنظمة تتكامل. و هي قوانين لا تتحول أيضا. فلا يعيش الكون ملايين السنين بقوانين ثم تتغير مع الزمن إلى قوانين أخرى. "و لن تجد لسنة الله تبديلا. و لن تجد لسنة الله تحويلا". فهو تكامل في المكان و تكامل في الزمان. سنن لا تتبدل في أي مكان في الكون و سنن لا تتحول منذ بداية الكون إلى نهايته.

و الترابط الكوني من أساسيات الإيمان بوحدة الخالق و كماله. فالكون الذي يعمل بنسق ثابت و بتكرار لا يتغير و بترابط تكاملي بين أجزاءه و بشكل موحد يدل على إله واحد. فوحدة الخلق تدل على وحدة الخالق. "وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض". فلو كان هناك إلاهان إثنان أو أكثر لوضع كل إله قوانينه لكل جزء يخصه في الكون و لإنكسر الترابط بين الأنظمة و لما عشنا لهذه اللحظة لنستمتع بكون ذي سنن ثابتة. و لو إفترضنا أن يكون هناك آلهة متفاهمين لكي يتم الترابط و التكامل لحدث المحظور الثاني التي تشير له الآية بعلو بعضهم على بعض. و علو بعضهم على بعض سيحدث لأن الكون يتطلب المركزية كما نلاحظ. فكل نظام يدور حول مركزية و كل مجموعة أنظمة تدور حول مركزية أخرى. حتى الأنظمة الإنسانية الإجتماعية و الإقتصادية. و من المعروف أن تعدد المعالجات مثلا في جهاز الحاسوب يتطلب وجود معالج مركزي ينسق العمليات بين جميع المعالجات و إلا أن سوف لن تعمل. و مهما حاولنا إنشاء نظام لا تكون المركزية في لبه فلن نستطيع أبدا. و لن نستطيع إيجاد نظام في الكون غير مركزي.

و الخلق نظام من أنظمة الكون و لذلك فهو يتطلب المركزية أيضا و سيكون من الضروري أن يعلو بعضهم على بعض في الخلق. أي أن يكون واحد فقط في الأخير هو من خلق بقية الآلهة. و يقودنا هذا في الأخير بأن ننتزع الألوهية منهم كلهم إلا واحد.

و علو بعضهم على بعض يتطلب في الأخير وجود إله مسيطر على بقية الألهة. و كما رد الله بإختصار و فعالية على من إفترض وجود آلهة كثير "قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلي ذي العرش سبيلا". و من هنا تأتي أهمية الإيمان بالعرش. ليس بماهية العرش التي لا نعلمها. بل بوجوده و بمفهوم العرش و هو الهيمنة على كل شيء التي هي في إسم الله ”المهيمن“. و أيضا أهمية الإيمان بالملائكة. فإذا كان الله قد خلق لكل عمل في الكون ملكا موكل بها فهم في الأخير يبتغون لذي العرش سبيلا. فالذين عبدوا الملائكة أو القوى الخفية لم يصل إيمانهم للعمق الكافي لكي يؤمنوا برب العرش. و من هنا يدلنا الكون بمركزيته و ترابطه على وحدانية الله و هيمنته.

و بما أننا نعيش في هذا الكون المترابط فنحن نؤثر فيه و نتأثر به. فما مدى حريتنا فيه؟ ماهي بداية حريتنا و ماهي نهايتها. و بعيدا عن المفهوم الحديث للحرية الشخصية الذي لا يعدو كونه سطحيا جدا فنحن بحاجة لفهم أعمق لمفهوم الحرية و فهم أعمق لمفهوم الحرية الشخصية. فإذا كنت تعتقد أن تربيتك لإبنك أمر يخصك وحدك فأنت مخطئ. فالأبن قد يصبح إنسانا صالحا بفضل تربيتك و يتنفع منه المجتمع الذى أنا و أولادي جزء منه و قد تقوده التربية الفاسدة لشخص غير صالح يضر في النهاية و بطريقة غير مباشرة. تذكروا أن كل الأشياء مترابطة. فنحن نعيش في مكان واحد و في الأخير في كون واحد.

ليس من حق أحد أن ينتفع بالكون بشكل ضار حتى و لو بشكل غير مباشر ففي الأخير كلنا نتأثر، فلا توجد خصوصيات في الإفساد. و بالتالي فمن حق الجميع عليك أن تكون صالحا و مصلحا.

و لكي أضرب مثلا قريبا من حياتنا اليومية. فلو كان السائقون ملتزمون بالقيادة الحضارية و في وسط ذلك قام أحدهم بإفساد هذا النظام لكي يقوم ببعض الإختصار فسوف يتأثر بعض السائقين و يقتدوا به. و مع الوقت سيصبح هذا شيئا مقبولا و يصبح النظام الفاسد هو السائد. و لو قمت بعمل جيد و تمسكت بالذوق العام فإنك في النهاية سوف بتقوم بالتأثير المعاكس للإصلاح. قد يكون تأثيرا صغيرا و لكنه مؤثر على المدى الطويل إن كان لديك الإيمان الكافي بالمهمة التي تؤديها.

و من هنا تكون الحرية "مسؤولية". بل أن الحرية هي المسؤولية. هي أن تكون قادرا على فهم الكون و سنن الله فيه. أن ترى الصورة الكاملة. و أن تعي الترابط بين كل الأشياء. أن تدرك أهمية أي عمل صالح تقوم به مهما كان صغيرا و كيف أن تضيف جزءا جيدا في الكون. لا تحقرن من المعروف شيئا حتى و لو كان أن تلقى الناس بوجه بشوش. فأنت لا تعلم كيف سينتقل عملك الصالح الصغير من شخص إلى شخص إلى نبات و حيوان و جماد و كيف سيتعاظم بحيث قد تبني لك "سبحان الله" بيتا في الجنة. أكبر من تأثير فراشة صغير ترفرف بأجنحتها في النصف الجنوبي للكرة الأرضية لتوقف إعصارا في النصف الآخر.

بقلم :

0 التعليقات:

إرسال تعليق